لا تستوحش الحق لقلة سالكيه!
  • سبت, 02/23/2013 - 09:54

لم يسجل التاريخ وقفة عز استطاعت أن تحشد لها الجماهير في ذروة الصراع ، وإن كان لبعض الثورات مشهد التفاف ،  ما عليك إلا أن تتعمق في توصيف مرحلة الثورة التي قد تكون على مشارف النصر أو في خضمه ، وهكذا فإن القاعدة هي أن الصراع على الحق تخوضه نخب مصطفاة لا تخضع للقواعد الشعبية التي تستهلك ثقافة الخوف فتبدأ بسرد المقولات البائسة "كالمشي جنب الحائط" أو "الإيد اللي ما فيك ليها بوسها وإدعي عليها بالكسر" والمضحك أن ثمة من يذهب لإنتقاء بعض الإحاديث فيسلخها من مضمومنها مثلا "نصف الدين مداراة الناس" وإذا أخذنا الحديث الآخر "الزواج نصف الدين" يكون بين المدارة والزواج اكتمل الدين فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

ولأن الدين فعل إيمان ومسيرة حق ومنارة تضيء طريق أبناء الله ، فإن العمق الثقافي لرسالة التقوى هي تهشيم السطحية والتبصر في حكمة الله التي لا يمكن تحويرها "بأمية" مطلقة رغم تقاسم "الدراويش" و"السلفيين" موروثه بلحظة تخل من "العباد" وتطويق العلماء الربانيين الذين خيروا بين الحكمة "الضالة" في زمن التعصب الأعمى وبين الصمت القاتل أو الإستشهاد جسديا تارة وفكريا أخرى على أن تبقى هذه الرسالة لعق في الألسنة ...وساعة التمحيص يقل الديانون.

 فالإيمان فعل ثورة حقيقية ، ثورة في الذات وعلى الذات ، ثورة تخلع إرث التلطي ليكون الحق هو الميزان ، وفي قاموس الحق ليس لإلقاء النفس في التهلكة مكان ، " وإن كان بعين الله لا أبالي " فهو موروث، " ولا أبالي إن وقع الموت علي أو وقعت عليه " موروث آخر ، "الحق ما ترك لي من صاحب" موروث ثالث ، أما الفصل في الأمر فيعود الى المنطق الإلهي " {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}.

 

 فعلم الثورة هو علم أصيل ، يبتدأ حين يكون السلطان في غي من أمره وتكون الجموع أعدادا لا وزن لها ولا لون ، وعندما تزان الكلمة بمقاييس "الذهب" ويثبت القلب دون أن تهزه صيحات المارقين ، علم الثورة يمتد من النفس الزكية التي لا تقايض على الأصول ولا تخشى جمع الناس فتتحسب بالله قوة وإيمانا ، ثورة لا ينتسب اليها الوصوليون بعد الفتح يوم بارت سياطهم من جلد الثائرين الصادقين ، وهي علم لو استفاضت به الجماهير لوفرت على نخبها عقودا من الزنازين وأرتالا من المشانق وما تيسر من التعذيب.

الثورة ليست بنية شعبية ، ولا تنبت من مجالس "البطالين" والثرثارين وأصحاب البحوث "الغيبية" ، ولا تزهر عند الذين رضى عنهم الناس وباركتهم الوجوه القاتمة والتجمعات الزائفة ومشاهد السطوة الكاذبة .

والسؤال لو أن الثورة صناعة جماعية لما احتاج نيلسون مانديلا أن يقضي 25 عاما في زنازين جنوب أفريقيا كي يخلص شعبه من العبودية ، ولو لم يقرر الخميني يوما أن ينفى بين العراق وفرنسا لما حدثت أهم الثورت في تاريخنا الحاضر ، فالثورة إنتاج فردي واستثمار جماعي  ، انتاج ممهور بمشنقة عمر المختار وغربة تشيغيفارا ورسالة ألويز بالمار في البرازيل التي نعيش نسائم حريتها ، رسالة "أين دفنوا موتانا" ومئات الأخيار الذين ألقوا في أعماق البحار ، كل الحريات لونها أحمر وأبطالها غرباء ما قبل الفتح.

  هي إرادة الفرد حين تتكاسل الجماعة ، وحين تتحدى الموروثات "الجبانة " وسياسات النأي بالنفس والهالة التي تسقط مفهوم الشجاعة ، هو الإيمان قبل الفتح لأن بعده غير مضمون النتائج وسهل المنال ولا تختبر فيه معادن الرجال ، إيمان منقوص في أسسه يصلح للمتسلقين والمزايدين حين ينكفأ الشرفاء الى عالم البحث عن الإصلاح وعدم مهادنة الظلم بعناوين "مخادعة" ، هي إرادة القلة التي عبرت في التاريخ فكشفت عورات "الأشعريين" والمنافقين .

قد يظنن البعض أن الجاه يبرر الإضطهاد ، وتكالب "المترفين" على "الغرباء" لحظة نشوة وافتخار ، وأنهم إذا ما رأوا الناس من حولهم يشيرون بعين الرضى فهم من النجباء ، أما إذا أطلقوا أبصارهم في دورة التاريخ ، لرأوا أنهم في المكان الهامشي من حركة الحياة ، فصناعة التاريخ إرثا حصريا لمن لم يستوحش في طريق الحق لقلة سالكيه.  

 

تعليقات الفيس بوك